السيد عبد الأعلى السبزواري

394

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الأنعام ، الآية : 127 ] ، وقال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ سورة الشعراء ، الآية : 89 ] . واستعمالات هذه المادة كثيرة بهيئات مختلفة ، ومنها الإسلام لخلوصها ، وتخليصه للمعتقد به عن المعايب والنواقص المعنوية . والمراد بأسلم في المقام التوجه والخضوع ، والصدق والتخليص كما قال نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في معنى الخلوص : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . والوجه مستقبل كل شيء وأشرفه ، وطريق الوصول إليه ، ويطلق على الذات أيضا . والمراد هنا عمل الجوانح ، وأعمال الجوارح ، فيكون المعنى من أخلص دينه للّه تعالى اعتقادا وعملا وهو محسن في عمله ، فيكون المناط كله في السعادة الأبدية هو الإيمان والعمل ، وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم في مواضع متعددة بعبارات مختلفة نفيا واثباتا ونظير هذه الآية المباركة قوله تعالى : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ سورة البقرة ، الآية : 135 ] . قوله تعالى : فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . هذا من قبيل ترتب المعلول على العلة ، فإن من أخلص وجهه للّه اعتقادا وعملا وأحسن في عمله له أجره ولا خوف عليهم من المتوقع ، ولا يحزنون على الواقع ، وذلك من قبيل السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع . وفي قوله تعالى : عِنْدَ رَبِّهِ دلالة على أن الأجر محفوظ عن التغيير والتبديل ، كقوله تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ سورة النحل ، الآية : 96 ] ، مضافا إلى الأدلة العقلية الدالة على ذلك . ثم إنّ إسلام الوجه للّه عزّ وجل بالتوجه اليه ، وسلوك طرق مرضاته والخضوع والانقياد له تعالى ، والإقبال عليه ، وصرف النظر عن غيره والمواظبة على الإخلاص يجعل الفاعل في المحل الأعلى من الكمالات المعنوية ، ويجلو جوهر النفس عن الرين والفساد ، ويمنع عن استيلاء الأغيار عليها ، فيفتح له باب إلى الغيب المحجوب فيرى ما في نفسه من